الصعود إلى الهاوية


#مذكرات

أنا أقدس العلم، أنا فعلاً كذلك.. لقد أصابني ذلك النوع من العشق الذي يصيب المرء عند رؤيته الفتاة التي أدرك أنه وقع في فخ لا نجاة منه .. لقد عشقت العلم منذ اللقاء الأول.

كما أنني أُصبت بإحباط العشاق أيضا، في كل مرة أُخفق في التعامل معه كان يصيبني الجنون، في كل مرة أخطئ في حل مسألة ما .. لم يكن سبب ذلك الجنون هو الأخطاء في حد ذاته فمن منا لم يُخطئ يوما؛ إنما كان سبب ذلك الجنون هو أنني كنت أعتبرها أخطاء العامة اخطاءُ التقليديين وليس أنا، لقد أصابني عِشق الرياضيات بصفة عامة لقد فُتنت بجمال الحسابات الهندسية التي درستها في الفترة الإعدادية.

ومن سوء حظي أن ذلك العشق كان من النوع الذي لا يمكن أن يقل أو يضعف بأي طريقة من الطرق، ففي كل مرة ينشب خلاف بيني وبينه كان يثير إعجابي أكثر، ومع ذلك كتب القدر لنا أن نفترق وإن جمعتنا الحياة إلى آخر العمر.

نعم فأنا قريب بالقدر الكافي من البعد، بعيد بما يكفي من القرب هي فلسفة التناقضات التي نتحصل عليها من الحياة، تلك الفلسفة التي لا تُجامل وتقولها بصراحة، ليس هناك حل على الاطلاق ستبقى على هذا الحال حتى آخر العمر، القريب البعيد.

لقد ولدت في بلد من دول العالم الثالث، في أحد آخر إمبراطوريات الدكتاتورية البائسة تحديداً، وهذا بالضبط كان كافياً لأكون ذلك الشخص الذي سَلبت منه الحياة أعز ما يملك وأعطته كل ما يسترخص، كل ما لا يهتم به.

كنت ذلك المراهق الذي خاض أول تجربة عاطفية في حياته، وردية بما يكفي ليتوقف الزمن حوله، وردية بما يكفي لينعزل عن كل ما حوله ليكون أسير هذا الشغف، وكحال كل العشاق لا بد أن يكون له نصيب من الليل.. كنت أمضي ساعات وساعات حتى آخر الليل في تلك العزلة مع عالمي الخاص، كانت شاشة الكمبيوتر هي المخرج الوحيد للحياة.

كنت ككل المراهقين طيبين القلب ذو النوايا الحسنة، دائما ما يتخيل أن مستقبله لن يكون إلا مع حبه الأول لا يكاد ينفك من تخيل مستقبله الخاص، بيت دافيء مع حبيبته التي سيعمل بجد لتصبح زوجته المستقبلية دون أن يضع الواقع نصب عينيه، دون أن يدرك أن الأحلام تبقى أحلاماً.

وكأي مراهق في نهاية سن المراهقة أيضا أصبحت أرى نور النهايات السعيدة يبهت، كنت أدرك بطريقة تدرجيةً بؤس الواقع وألم الحقيقة وزيف الأحلام.

وها أنا شاب مقبل على الثلاثينات من عمره واعي بمرارة الحقيقة التي كان زيف الحلم يغطيها، لن تكون مع حبيبك مهما طال الزمن أو قصر، وحال لسان الحياة يقول: نعم أنا أدرك بأنك مولع بالعلوم، نعم أعلم بأنك ستمضي ما تبقى من عمرك واقفاً على أطلال ذلك العشق.. أدرك بأن النظرية النسبية كانت حمى العشاق بالنسبة لك، أدرك بأنك من حين إلى آخر تشتاق لذلك الماضي، ذلك الحلم الذي كان يسجنك.. إنسان ذو قدر من العلم يعمل ما يحب ويحب ما يعمل، ولكل مجتهدا نصيب.

ومما يزيد الوضع سوءً والحقيقة مرارةً، أن شعورك بالإحباط لن يسمع له صدى، ربما لن تستطيع أن تتحصل على مسكنات الإحباط كونك لا تجد من ترمي همومك علي مسامعه وتخرج ما في صدرك من ألم، ربما عليك أن تعتاد على حقيقة أنك كعامة الناس أو بالأحرى أن تدرك بأنك هنا في العالم الثالث لا مكان للمختلفين فكلنا في الجهل سواسية.. لن تصير يوما ما تريد، كان عليك أن تتقبل حقيقة أنك لن تستطيع إلا أن ترتكب خطأ العامة في حل تلك المسألة فلتذهب للجنون.. لن تصير يوما ما تريد.

3 thoughts on “الصعود إلى الهاوية

  1. https://polldaddy.com/js/rating/rating.jsتدوينة مكتوبة بشكل جيد. شكرًا جزيلًا لك.
    ذكرني العنوان برواية من ملف المخابرات المصرية الصعود إلى الهاوية فهل هذا تشابه أسماء أم أنه مقصود؟

    1. لا شأن لي بالمخابرات هي الصدفة لا أكثر 😌😌

  2. https://polldaddy.com/js/rating/rating.jsتدوينة مكتوبة بشكل جيد. شكرًا جزيلًا لك.
    ذكرني العنوان برواية من ملف المخابرات المصرية الصعود إلى الهاوية فهل هذا تشابه أسماء أم أنه مقصود؟

أضف رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.